الجمعة، 21 يناير، 2011

أصالة البحث العلمي عند العرب المسلمين

أصالة البحث العلمي عند العرب المسلمين

الأستاذ الدكتور خليل الزركاني
المقدمة
يمثل منهج البحث ـ في أي علم من العلوم ظاهرة حضارية تتحدد ملامحها وتتميز خصائصها وفق طبعة المنهج وما ينطوي عليه من مواصفات علمية أو غير علمية، ومن هنا تبرز مظاهر البحث وتتبين ثمراته استناداً إلى معطيات المنهج وما يمكن أن يسهم فيه من إبراز لتلك المظاهر والنتائج، وبذلك تقوّم طبيعة المرحلة الفكرية لأية أمة من الأمم، ويتبين مدى إسهامها في إثراء المعرفة الإنسانية عبر تاريخها المديد
ان التجربة في الأمور الخاضعة للتجربة فطرة أصلية في النفس الإنسانية ، فالإنسان يلجأ إليها بشكل تلقائي إذا أمكنه ذلك ليتأكد من صحة أحكامه ، أو ليختبر بعض القضايا ، وربما يفعل ذلك دون الاعتماد على قـواعد معينة لذلك ، ولذلك يقـول كلود برنارد: " إنني أعتقد أن كبار المجربين قد ظهروا قبل أن توجد القواعد العـامة لفن التجريب ، ومن ثم يبدو لي أنه لا يحق لأحد أن يقول في حديثه عن بيكون إنه اخترع المنهج التجريبي ، ذلك المنهج الذي استخدمه جاليلو وتورشيلي على نحو جدير بالإعجاب عجز عنه بيكون " (1).
أن الباحث قد يهتدي إلى قواعد التجريب أثناء بحوثه ومحاولاته الكشف والبحث ، فربما صنف هذه القواعد ليستفيد منها غيره ، وربما يترك مهمة تصنيفها لغيره (2).

ومن هنا يبدو لنا خطأ الفكرة المنتشرة على أنها حقيقة لا مراء فيها ، وتتردد كثيراً على الألسنة والأقلام وهي أن المنهج التجريبي ولد ونضج في الغرب على يد البيكونين " روجر وفرنسيس " وجون استيوارت مل (3).
والحقيقة أن هنالك علماء وباحثين غربييين منصفين أكدوا أن العرب والمسلمين قدموا للإنسانية حضارة باسقة في كافة المجالات التجريبية والنظرية ، وأنهم كانوا سباقين إلى ميادين التجربة والملاحظة اللتين تسلح الغرب بهما فيما بعد ونهض نهضته المشهودة .
وقبل أن نسرد بعض الأقوال والشهادات المنصفة لعلماء غربيين لا بد أن نعترف بأن المسلمين اليوم وفي العصور المتأخرة لم يتابعوا نهج أسلافهم في استخدام المنهج التجريبي ، وأنهم قصّروا في تطبيقه تقصيراً مخجلاً ، في الوقت الذي استفاد الغرب من هذا الميراث الإسلامي ، وانطلق يطبقه في كافة المجالات والصعد ، وبقي المسلمون متخلفين عن ركب الحضارة
الشهادات الغربية للعرب في أصالة البحث العلمي العربي
1. زيغريد هونكه
تقول زيغريد هونكه : " إن الإغريق تقيدوا دائماً بسيطرة الآراء النظرية ، ولم يبدأ البحث العلمي القائم على الملاحظة والتجربة إلا عند العرب" (4). وتقول : " لم يكن مستوى روجر بيكون العلمي في الكيمياء أرفع من معاصريه ألا أنه رأى في التجربة التي أخذها عن العرب السبيل الحقيقي للوصول إلى نتائج حاسمة في العلوم الطبيعية وخاصة في الكيمياء ، وهكذا كان روجر علماً متوهجـاً سطع في سماء القرون الوسطى المظلمة وفي حناياه روح الشاعر الأندلسي ابن الخطيب الذي قال : مبـدئيـاً يجب أن يكـون كـل برهـان متـوارث قـابلاً للتعـديل إذا مـا اتضـح لحواسنا عكسه" (5).
2. فون كريمر
ويضطر أيضاً فون كريمر للاعتراف بدور العرب في حقل المعرفـة التجريبية ، وإن كان هذا الإنصاف منه مقدمة لما يريد أن يصل إليه من إقناعٍ للقارئ بتفوق الجنس الآراي واليوناني على غيره يقول : " إن أعظم نشاط فكري قام به العرب يبدو لنا جلياً في حقل المعرفة التجريبية ضمن دائرة ملاحظاتهم واختباراتهم ، فإنهم كانوا يُبدون نشاطاً واجتهاداً عجيبين حين يُلاحظون ويمحصون ، وحين يَجمعون ويُرتبون ما تعلموه من التجربة ، أو أخذوه من الرواية والتقليد ، ولذلك فإن أسلوبهم في البحث أكبر ما يكون تأثيراً عندما يكون الأمر في نطاق الرواية والوصف" (6).
3. فرانتز روزنتال
ويؤكد الدكتور فرانتز روزنتال أن المسلمين كانوا ينظرون إلى التجربة والملاحظة على أنها ذات قيمة فريدة في البحث العلمي ، وأننا نجد أمثلة هائلة لذلك في الحضارة الإسلامية في حقول المعرفة المتنوعة ، وينقل هذه العبارة عن ابن أبي أصيبعة عن الرازي (7): " متى كان اقتصـار الطبيب على التجـارب دون القيـاس وقـراءة الكتب خُـذل" (8)مما يدل على أن التجربة كانت عند الأطباء منتشرة بشكل كبير ، وأنه كان يحمد للطبيب أن يضم إلى تجاربه العلمية القراءة النظرية والقياس العقلي
العلماء المسلمين المبدعين في مجال البحث العلمي
ونضرب الآن بعض الأمثلة من الفكر الإسلامي نستدل بها على اعتماد المسلمين بشكل كبير على التجربة والملاحظة :
فبشأن الحسن ابن الهيثـم (9)تقول زيغريد هونكه : لقد علّم إقليدس وبطليموس بأن العين المجردة ترسل أشعةً إلى الأشياء التي تريد رؤيتها فجاء ابن الهيثم وأعلن أن هذا الادعاء خاطئ لأنه ليس هناك أشعةً تنطلق من العين ليتحقق النظر بل إن شكل الأشياء المرئية هي التي تعكس الأشعة على العين فتبصرها هذه بواسطة عدستها.
كما يرى الأستاذ مصطفى نظيف إلى أن ابن الهيثم أخذ بالاستقراء قبل بيكون ، ويعتبره من أبرز علماء الطبيعة . ويذهب إلى أن أثر ابن الهيثم في علم الضوء لا يقل عن أثر نيوتن في علم الميكانيكا (10). ونستطيع أن نتبين قواعد المنهج عند ابن الهيثم وأصوله من خلال هذا النص الذي ينقله مصطفى نظيف عن ابن الهيثم يقول : " ونبتدئ في البحث باستقراء الموجـودات ، وتصفح أحوال المُبْصَرات ، وتمييز خواص الجزئيات ، ونلتقط باستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار ، وما هو مطرد لا يتغير ، وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس ، ثم نرتقي في البحث والمقاييس على التدرج والتدريب مع انتقاء المقدمات ، والتحفظ من الغلط في النتائج ، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقريه ونتصفحه استعمال العدل ، لا إتباع الهوى ، ونتحرى في سائر ما نجيزه وننتق ويعلق الأستـاذ مصطفى نظيف على هذا المنهج بقوله : " في هذا القول الموجز جمع ابن الهيثم بين الاستقراء والقياس ، وقدم فيه الاستقراء على القياس ، وحدد فيه الشرط الأساسي في البحوث العلمية الصحيحة وهو أن يكون الغرض طلب الحقيقة " (11) ويضيف الأستاذ مصطفى نظيف : " بل إن ابن الهيثم قد عمق تفكيره إلى ما هو أبعد غوراً مما يظن أول وهلة فأدرك ما قال به من بعده " ماك " و " كارل بيرسون " وغيرهما من فلاسفة العلم المحدثين في القرن العشرين " (12).
ومن مميزات ابن الهيثم أيضاً : أنه كان يشرح الجهاز ، ويبين وظيفة أجزائه المختلفة ، ويستعمل أجهزة مبتكرة لشرح الانعكاس والانعطاف ، وتدل تجاربه وحساباته أنه استطاع أن يجمع بين مقدرته الرياضية ، وكفايته العلمية الممتازة ، يدل على ذلك صنعه للأجهزة ، واستعمالها في أغراضٍ مختلفة (13).
كما يعتني ابن الهيثم إلى جانب عنايته بالتجربة والاستقراء ، بالقياس كما في كتابه " المناظر " ، فهو ينتقل من التجربة إلى القياس ، ويستنبط من ذلك قضايا مهمة ، ويشرح ظواهر خطيرة في الضوء (14). كما أدرك ابن الهيثم قيمة التمثيل في البحوث العلمية فاستعان به في بعض المواضع (14).
هذا فيما يتعلق بابن الهيثم ، ونجد في علم الميكانيكا أو علم الحيل أشهر من كتب في ذلك من علماء المسلمين محمد وأحمد وحسين أبناء موسى بن شاكر ، إذ لهم كتاب يحتوي على مائة تركيب ميكانيكي (16).
ولعلمـاء المسلمين كتب في عـلم مراكز الأثقال ، وهو علم يتعرف منه كيفية استخراج ثقل الجسم المحمول . ولهم فضل كبير في علم السوائل وما يتصل به من ظواهر تتعلق بضغط السوائل وتوازنها (17).
وللخازن كتاب " ميزان الحكمة " كتبه سنة 1137 م وفيه وصف دقيق مفصل للموازين التي كان يستخدمها علماء المسلمين في تجاربهم ، وفيه أيضاً وصف لميزان استخدم في وزن الأجسام بالهواء والماء . ويتضمن هذا الكتاب أيضاً بحثاً في الضغط الجوي ، وكان بذلك أسبق من تورشيلي ، ويحتوي كذلك على المبدأ القائل بأن الهواء كالماء يحدث ضغطاً من أسفل إلى أعلى على أي جسم مغمور فيه ، ومن هذا استُنتج أن وزن الجسم في الهواء ينقص عن وزنه الحقيقي ، واستفاد الأوربيون بعده من اكتشافاته ، وبنوا عليها بعض الاختراعات كالبارو متر ومفرغات الهواء " (18). كما تضمن هذا الكتاب بحثاً في الجاذبية مبيناً أن هناك علاقة بين سرعة الجسم والبعد الذي يقطعه والزمن الذي يستغرقه ، وقال الخازن في كتابه هذا بأن قوى التثاقل تتجه دائماً إلى مركز الأرض (19).
وتابع الخازن علماء آخرون مثل ثابت بن قرة ، وموسى بن شاكر وغيرهما ، حيث قالوا بالجاذبية وعرفوا شيئاً عنها ، ومن أشهرهم ، محمد بن عمر الرازي حيث قال : " إننا إذا رمينا المدرة إلى فوق ، فإنها ترجع إلى أسفل ، فعلمنا أن فيها قوة تقتضي الحصـول إلى أسفل ، حتى إنه لما رميناها إلى فوق أعادتها تلك القوة إلى السفل ." (20).
ويتساءل الدكتور مصطفى حلمي : أليس في هذا تمهيداً لفكرة الجاذبية؟ (21)
ويرى الأستاذ العقاد أن البيروني كان له الفضل في ذلك حيث اعترض على رأي الإغريق القائـل بأن الأجسام الثقيلة مجذوبة إلى أصلها في السماء ، ورجح أن الأجسام كلها مجذوبة إلى مركز الأرض، وقد مهد بآرائه هذه السبيل لنيوتن لكشف قانون الجاذبية (22). كما أن البيروني هو الذي اكتشف دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها وليس كوبر نيكوس أو غيره كما يشاع (24)
وفي علم الطب يعد أبو بكر محمد الرازي 844 –926 م أول الأطباء المسلمين الكبار وقد اعتبره جميـع المؤرخين واحداً من أعظم الأطباء في جميع العصور ، ومن أعظم مشخصي الأمراض المبدعين ، حيث اعتبرت مقالته عن الجدري والحصبة أول عمل محكم في الأمراض المعدية، معبرة عن قدرة فذة في الملاحظة والتحليل التمريضي ، واشتهرت في أوربا ، حيث طبعت أربعين مرة باللغة الإنجليزية منذ سنة 1489 إلى 1866 . م (25)
والرازي يعتبره الدكتور سارتون أول الأطباء الكيماويين إلى جانب ابتكاراته في جراحة العيون والولادة وأمراض النساء ، وكذلك كان أول من صنف مقالات في أمراض النساء (26)وقد رمدت عيناه ذات مرة من كثرة اشتغاله بالتجارب ، فذهب للعلاج عند أحد الأطباء فطلب منه خمسمائة دينار فقال الرازي " هذا هو الكيمياء حقيقة " ثم مال إلى تعلم الكيمياء في سن مبكرة من حياته وألف فيها اثني عشر كتاباً (27).
وآكد شئ لدى الرازي هو ما اجتمع على صحته الأطباء ، وشهد له القياس ، وعضدته التجربة ، ولم يكن يعبأ إلا بالعلم الذي أثبتت التجربة جدواه ، ومن سمات منهجه أنه كان يفضل النتائج العلمية القائمة على أساس تجارب القرون لا تجارب الفرد الواحد .
وإذا كـان الطب التجريبي يحتل في العصـر الحديث أرقى مكانة ، فإن للرازي فضل السبق إليه ، حيث أجرى تجاربه على الحيوان "القرد" ، قبل إعطاء الدواء للإنسان ،لأن هناك حرجاً دينياً يمنع من تشريح الإنسان بغرض التجربة (28).
ومن الأطباء المسلمين المشهورين ابن النفيس " ت : 696 هـ " المكتشف الحقيقي للدورة الدموية الصغرى ، ونسبها الغرب زوراً إلى هارفي الإنجليزي ، وقلدهم في هذا الزور بعض الباحثين الشرقيين المسلمين (29)تقول زيغريد هونكه : إن أول من نفذ ببصره إلى أخطاء جالينوس ونقدها ثم جاء بنظرية الدورة الدموية لم يكن سارفيتوس الأسباني ولا هارفي الإنجليزي بل كان رجلاً عربياً أصيلاً من القرن الثالث عشر الميلادي وهو ابن النفيس الذي وصل إلى هذا الاكتشاف العظيم في تاريخ الإنسانية وتاريخ الطب قبل هارفي بأربع مائة عام وقبل سارفيتوس بثلاثمائة عام"(30).
ولقد كثر اشتغال النصارى بالطب في ظل الدولة الإسلامية ونبغوا فيه ، ويرجع العقاد ذلك إلى تحريم الكنيسة الغربية آنذاك للاشتغال بالطب ، لأن المرض عقاب من الله تعالى ، لا ينبغي للإنسان أن يصرفه عمن استحقه ، وظل الطب محجوراً عليه إلى ما بعد انقضاء العهد المسمى بعهد الإيمان عند استهلال القرن الثاني عشر للميلاد وهو إبان الحضارة الأندلسية (31).
وكانت المستشفيـات منتشرة في أنحـاء الدولة الإسلامية بعد القرن الثالث للهجرة ، واتبعت طريقة عملية للتحقق من وجود الهواء وصلاح الموقع لبنائها تغني عن الأساليب العلمية التي اتبعت في العصر الحاضر بعد كشف الجراثيم ، حيث تتفق معها في أصلها التجريبي (32)فكانوا كما يقول العقاد : يعلقون اللحوم في مواطن مختلفة من المدينة في وقت واحد ، فأيها أسرع إليه العفن اجتنبوا مكانه ، واختاروا المكان الذي تتأخر فيه عوارض الفساد (33).
ومثل هذا الابتكار كما يقول الدكتور مصطفى حلمي : يقع في صميم المنهج التجريبي وينبغي النظر إليه لا من زاوية عصرنا ، ولكن من زاوية النظريات السائدة آنذاك ولا شك أن هذا العمل يعد عملاً رائداً في حقل الاكتشافات العلمية (34).
وكانت المستشفيات أيضاً مراكز علمية لتدريس الأطباء نظرياً وعملياً يقول : الدكتور مصطفى السباعي : " وكانت المستشفيات معاهد طبية أيضاً ، ففي كل مستشفى إيوان كبير للمحاضرات ، ويجلس فيه كبير الأطباء ، ومعه الأطباء والطـلاب ، وبجانبهم الآلات والكتب ، فيقعد التلاميذ بين يدي معلمهم بعد أن يتفقدوا المرضى ، وينتهوا من علاجهم ، ثم تجري المباحث الطبية ، والمناقشات بين الأستاذ وتلاميذه ، والقراءة في الكتب الطبية ، وكثيراً ما كان الأستاذ يصطحب معه تلاميذه داخل المستشفى ليقوم بإجراء الدروس العملية لطلابه على المرضى ، كما يقع اليوم في المستشفيات الملحقة بكليات الطب " (35).
ويستخلص غوستاف لوبون من أبحاثه في هذا المجال أن علم الجراحة مدين للعرب بكثير من مبتكراته الأساسية ، وظلت كتبهم فيه مرجعاً للدراسة في كليات الطب إلى وقت قريب جداً ، فكانوا يعرفون في القرن الحادي عشر من الميلاد معالجة غشاوة العين بخفض العدسة أو إخراجها ، وكانوا يعرفون عملية تفتيت الحصاة التي وصفها أبو القاسم بوضوح ، وكانوا يعـرفون صب الماء البارد لقطع النزف ، وكانوا يعرفون الكاويات والفتائل ، وكانوا يعرفون المُرقد ، أي المخدر الذي ظُنّ أنه من مبتكرات العصر الحاضر ، وذلك باستعمال الزؤان لتنويم المريض قبل العمليات المؤلمة ، حتى يفقد وعيه وحواسه (36)، وقد نسب هذا الكشف العلمي إلى طبيب إيطالي أولاً وإلى بعض الإسكندريين ثانياً ، في حين أن الحقيقة تقول ، والتاريخ يشهد : أن فن استعمال الإسفنجة المخدرة فن عربي بحت لم يعرف من قبلهم(37).
وإذا انتقلنا إلى مجالات أخرى غير الطب وعلماء آخرين فإننا نجد الأمر أيضاً لا يختلف فالتجربة والملاحظة لهما الوزن الكبير ، والقيمة الأساسية في البحث العلمي يقول جابر بن حيان (38)وهو يتحدث عن منهجه : " قد عملته بيدي وبعقلي من قبل ، وبحثت عنه حتى صح ، وامتحنته فما كذب " (39).
ويؤكد جابر أهمية التجربة أيضاً في قوله : " من كان درباً ، كان عالماً حقاً ومن لم يكن درباً لم يكن عالماً ، وحسبك بالدربة في جميع الصنائع : أن الصانع الدرب يحذق ، وغير الدرب يعطل"(40)والمراد بالدربة عند جابر التجربة .
ويزيدنا جابر تأكيداً باعتماده على التجربة والملاحظة في قوله : " ويجب أن نعلم أنا نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط دون ما سمعناه أو قيل لنا وقرأناه ، بعد أن امتحنـاه وجربنـاه ، فما صـح عندنـا بالملاحظـة الحسيـة أوردنـاه وما بطل نفيناه وما استخرجناه نحن أيضاً وقايسناه على أقوال هؤلاء القوم " (41). ونضيف أيضاً أن من السباقين في استخدام التجربة ابن سينا ، حيث يشير في كتاب الشفاء إلى ملاحظة شخصية تعود إلى أيام صباه تبحث في أصل الحجارة (42)، ويشير فخر الدين الرازي إلى ملاحظة شخصية لاحظها ابن سينا تتعلق بتكون الغيوم الممطرة (43)
ويروى عن المأمون أنه كان يجري تجربة بسيطة لجلسائه ليبرهن لهم أن الهواء مادة ، أي جسم طبيعي (44).
نستطيع الآن بعد الأمثلة الكثيرة التي سقناها أن نؤكد أن نسبة المنهج التجريبي إلى الغرب نسبة زائفة ، لأنها تغفل دور المسلمين في هذا المنهج . وليس معنى هذا أن نغض من دور علماء الغرب في النهضة الأوربية الحديثة فهذا الدور لا يمكن إنكاره لأن الغرب تقدم كثيراً في تطبيق هذا المنهج ، ولكن أريد أن أقول : إن الحضارات متكاملة لا ينفصل بعضها عن بعض ، فكل حضارة تنهض لا بد أن تكون لها قواعد راسخة قامت عليها ، وقواعد الحضارة الأوربية المزدهرة اليوم إنما هي الحضارة الإسلامية ، فلم ينهض الغرب هكذا طفرة ، وإنما بعد أن نقلت إليه علوم العرب والمسلمين ، فالمسلمون كما يقول الدكتور مصطفى حلمي : " وجهوا البحوث إلى الوجهة الصحيحة من حيث إقامتها على التجارب والاختبارات واستقراء النظريات وما إلى ذلك من خطوات كانت تشكل في مجموعها تحولاً رئيساً في تاريخ العلم من مجرد النظر –كالمنطق الصوري الأرسططاليسي –إلى التجارب العلمية المؤدية إلى التقدم الحقيقي للعلوم (45)
وذلك لأن : " وجود ابن الهيثم وجابر وأمثالهما كان لازماً وممهداً لظهور جاليلو ونيوتن ، فلو لم يظهر ابن الهيثم لاضطر نيوتن أن يبدأ من حيث بدأ ابن الهيثم ، ولو لم يظهر جابر بن حيّان لبدأ جاليلو من حيث بدأ جابر . وعلى هذا يمكن القول : لولا جهود المسلمين والعرب ، لبدأت النهضة الأوربية في القرن الرابع عشر من النقطة التي بدأ منها العرب نهضتهم العلمية في القرن الثامن للميلاد " (46).
لقـد وضـع المسلمـون أسس البحث العـلمي بالمعنى الحديث وقـد تميّـزوا بالمـلاحظـة والتجـربة والاختبـار …وابتدعـوا طـرقاً …واخترعـوا آلات وأجهزة .(47).
ونستطيع الآن القول:
إن المسلمـين لم يقصـروا في العصـور المتأخرة في خدمة العلم والإنسانية
لقصورٍ في إسلامهم ، وإنما السبب الحقيقي والجوهري هو أنهم نسوا إسلامهم ، وتخلّوا عن المبادئ الأساسية فيه والتي تدعو إلى العمل والنظر والبحث والتأمل ، هذه المبادئ التي جعلت الإنسان سيّداً للكون ، وجعلت الكون مسخراً للإنسان ، تخلّى المسلمون عن هذه الرسالة التي شرّفهم الله عز وجل بها ، وانهمكوا في خلافاتهم ونزاعاتهم فسلّط الله عز وجل عليهم أعداءهم ، وهذه سنة إلهية تنطبق على كل الأمم التي تتخلّى عن رسالتها التي أكرمها الله جل شأنه بها من بين الأمم .
أضف إلى ذلك الحملات الاستعمارية الهمجية المتتالية التي تقضي على صحوة المسلمين في كل مرة . فالغـزو التتاري الذي دمر بغداد وكثيراً من البلدان الإسلامية ، وألقى المكتبات في دجلة ، وأحرق المدن ، وأباد المسلمين ، وأتى على كل مظاهر المدنية ، ساهم كثيراً في تأخر المسلمين وضياع كثير من تراثهم الذي لو كان اليوم موجوداً لكان للمسلمين وضع آخر في العالم اليوم . والغزو الصليبي الذي لا يزال مستمراً إلى اليوم بأشكال مختلفة ، وصور متنوعة ، ليحول بين المسلمين وأسباب نهضتهم حتى لا يعودوا مرة أخرى لقيادة العالم والإنسانية من جديد .
والخلاصة :أن النهضة الأوربية الحديثة إنما قامت على جهود جبارة لعلماء المسلمين نقلت إلى الغرب ، وقد أكد ذلك الدكتور فؤاد سزكين ، إذ يشير إلى أنه كانت في القرن الرابع عشر مدارس للترجمة في طرابزون على الساحل الشرقي للبحر الأسود وفي استنبول أيضاً ، كان أصحاب هذه المدارس يترجمون أحدث الكتب المؤلفة في العالم الإسلامي إلى اليونانية بدافع من غيرتهم الدينية لمساعدة إخوانهـم في أوربا ، لذلك فهو يقول : " وكلما أمعن الإنسان النظر في دراسة المصادر الأصلية للنهضة الأوربية ازداد تصوره أن هذه النهضة المزعومة أشبه ما تكون بالولد نُسب إلى غير أبيه الحقيقي "(48)