الجمعة، 3 أغسطس، 2012

ثالثاً: تشجيع واهتمام الخلفاء العباسيين بالحركة الفكرية في بغداد:

ثالثاً: تشجيع واهتمام الخلفاء العباسيين بالحركة الفكرية في بغداد:
مما لاشك فيه ان عدداً غير قليل من خلفاء بنى العباس اهتموا بتنشيط ورعاية الحركة العلمية والفكرية ببغداد فجذبوا واستقدموا العلماء والأدباء اليها، فأزدانت عاصمة الخلافة بالعلماء الوافدين من أنحاء العالم الاسلامي، فقد اثر تشجيع واهتمام الخلفاء للعلم وأهله في انتقال الكثير من علماء المشرق الاسلامي الى بغداد، وقد شكل الخراسانيون عدداً كبيراً منهم([1][54]). وما يؤكد تلك الحقيقة ان عدداً من دروب بغداد وأزقتها سميّت بأسماء علماء خراسانيين، وهذا الأمر كان تنفيذاً لأمر باني بغداد أبي جعفر المنصور الذي اتخذ قراراً منذ البداية "ان يسموا كل درب باسم ……. الرجل النبيه الذي ينزله …… "([2][55]). فسمي أحد الدروب باسم المحدث الخراساني خزيمة بن خازم النهشلي القائد (ت 203 هـ/ 818م)، الذي نزل بغداد وحدثَّ بها حتى وفاته([3][56]). أما درب المروزي، فينسب إلى أبي اسحق ابراهيم بن أحمد بن اسحق (ت 340هـ/951م) الذي عد استاذ أئمة العراق في الفقه الشافعي، وقيل عنه إنه حتى عد "امام عصره في الفتوى والتدريس"، وانتهت اليه رياسة العلم في بغداد وصنف كتباً عديدة منها شرحه "مختصر المزنى"، ولم يقتصر علمه على بغداد بل انتشر في البلاد الاسلامية، إذ ارتحل الى مصر في أواخر عمره فأدركه أجله بها([4][57]).
ولا يخفى اهتمام الخلفاء العباسيين بالعلوم والآداب على اختلاف مناهجها، ولاسيما دعمهم الواضح لحركة النشاط الديني في علوم القران والحديث والفقه، الأمر الذي يدعّم مواقفهم السياسية التي انتهجوها، فمثلاً كان الخليفة المنصور حافظاً لكتاب الله ومتبعاً لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم([5][58])، فضلاً عن اهتمامه الكبير بالأمور الفقهية والأدبية([6][59])، حتى أنه أوصى ابنه محمد المهدي أن لايجلس مجلساً الا ومعه واحد من أهل العلم يحدثه([7][60]).
كما أن اللافت للنظر ان قصور خلفاء بني العباس كانت على الدوام أندية وملتقيات علمية تعج بالمحافل الفكرية والأدبية لمختلف المناقشات الفكرية، ومن العلماء الخراسانيين الذين حظوا بتكريم وتقريب الخليفة المنصور قتيبة بن زياد الخراساني الفقيه الحنفي الذي تولى قضاء الجانب الشرقي لبغداد أيام المنصور([8][61]).
 وسار الخليفة المهدي على هدى والده في حب العلم وتوقير أهله([9][62])، إذ أوصى المنصور مؤدبي ولده بأن يعلموه الأدب وأخبار العرب إضافة إلى مكارم الأخلاق والأشعار([10][63]).
وعلى الرغم من قصر مدة حكم موسى الهادي (169-170هـ/ 785- 786م)، وصف بفصاحة اللسان وانه أديب جالس كبار علماء وأدباء عصره([11][64])، وأكرم وقرّب شعراء عصره([12][65]).
ويبدو ان مرور عقدين من زمن اهتمام بغداد بعلمائها ومفكريها بدأت تعطي ثمارها، فعندما أفضت الخلافة إلى هارون الرشيد (170- 193هـ/ 786- 808م)، أضحت بغداد تعج بالعلماء، وسار الرشيد نفسه على نهج سابقيه في الرعاية والاهتمام بالعلم والعلماء بل أجزل العطايا سواء للفقهاء أو الشعراء([13][66]) فضلاً عن أهل الأدب([14][67])، وحفلت مجالسه بالعلماء والأدباء([15][68])، وأنس بهم وأخذ بأيديهم([16][69]). ويبدو أن ذلك يعود إلى ما تلقاه من دروس والى اهتمامه بالقراءات واللغة والنحو والأدب على يد كبار شيوخ عصر([17][70])، ومن الطبيعي أن يقدرّ مثل هذا الخليفة أهل العلم فعندما توفي الكاتب الخراساني عمر بن مطرف المكنى أبا الوزير، وهو من علماء مرو، في بغداد سنة 186هـ أو 188هـ/ 801م أو 803م، حزن عليه الرشيد وصلى على جنازته ونعاه "رحمك الله، ما عرض لك أمران أحدهما لله والآخر لك، الا اخترت ما هو لله على هواك"([18][71]).
وأخيراً لابد من الإشارة إلى ان الخليفة هارون الرشيد كلل اهتماماته بالعلم وأهله بأن أسس مركزاً علمياً أسماه بيت الحكمة، وفرَّ له الكتب والمترجمين وعمل به عدد من العلماء بمختلف مشاربهم، فأزدهرت الحركات العقلية والفلسفية فتقاطر العلماء والحكماء والشعراء إلى بغداد أكثر من أي وقت مضى([19][72]) ومن الطبيعي أن يربي الرشيد ولديه الأمين والمأمون، على أيدي أكثر العلماء علماً وأدباً وفقهاً، فعلى الرغم من قصر مدة خلافة الأمين واضطراب الأحوال السياسية في عهده، ولاسيما حربه مع أخيه المأمون، كان أديباً فصيح اللسان قال الشعر، وشجع الشعراء وأغدق عليهم([20][73])، ومن بين من حظي برعايته الشاعر الخراساني الحسين بن الضحاك أبو علي المعروف بالخليع الخراساني الأصل (ت 250هـ/ 864م)، إذ أقام ببغداد طويلاً وخالط الخلفاء العباسيين وجالسهم وكان الخليفة الأمين أولهم([21][74]).
وبغض النظر عن الصراع بين الأخوين الأمين والمأمون، الموضوع المشار اليه في الصفحات السابقة، فأن ابن الجوزي عدَّ المأمون أوسع بني العباس علماً وأبعدهم غوراً، وبلغ النشاط الفكري في عهده أوج عظمته ونشاطه، فتتلمذ في الحديث على يدي مالك بن أنس (ت 179هـ/ 795م) وحماد بن زيد (ت 179هـ
/ 795م) ([22][75])، فلا عجب إذا ما وصفته بعض المصادر بأنه نشأ فصيحاً مفوهاً ذكياً متكلماً معتنياً بالعلم والأدب والأخبار والعقليات وعلوم الأوائل وأيام الناس([23][76]).

لقد تعددت اهتمامات المأمون العلمية سواء بالعلوم الفقهية أو الفرائض والشعر والكلام والنحو وغريب الحديث وعلم النجوم([24][77])، وامتدت اهتماماته إلى علم الحساب ودقته في حساب الارث، فعندما عرضت عليه امرأة قضيتها في حقها وحق كل فرد من عائلتها من الأرث، استطاع اجابتها اجابة صحية الأمر الذي اثار انتباه واعجاب العلماء ليس على علمه وحسب بل على فطنته وحده ذهنه وسرعة جوابه([25][78]). وهذا مؤشر على ان أمور الحياة السياسية لم تشغله عن هذا الميدان الحيوي، بل هو مؤشر واضح على المدى الذي وصل اليه الرقي العلمي والفكري والثقافي([26][79]). وما يعزز ذلك الرأي أنه منذ قدوم المأمون من مرو وعودته إلى بغداد سنة 204هـ/ 819م صبَّ اهتمامه بتنشيط الحركة الفكرية إذ طلب من الفقيه يحيى بن أكثم المروزي بأن يجمع وجوه الفقهاء وأهل العلم ببغداد، فجمع ابن أكثم أربعين رجلاً من أعلامها، فحاورهم المأمون في مسائل متعددة([27][80])، حتى أنه جعــل من كل
ثلاثاء موعداً يجلس فيه للمناظرة مع الفقهاء([28][81]). ومن جهة أخرى شجع العلماء على البحث والتأليف([29][82])، الأمر الذي أشار اليه صراحة العالم الرياضي الفلكي محمد بن موسى الخوارزمي (ت 232هـ/ 846م)، في مقدمة كتابه "الجبر والمقابلة" مشيراً إلى تقريبه لأهل العلم "وبسط كنفه لهم ومعونته اياهم على ايضاح ما كان مستبهماً وتسهيل ما كان متوعراً"([30][83])، ويذهب ابن النديم إلى أبعد من ذلك ويشير إلى ان للمأمون نفسه العديد من المصنفات في علوم مختلفة([31][84]).
ولابد من الاشارة إلى ان علماء خراسانين آخرين حظوا برعاية المأمون بعد دخوله بغداد منهم الأديب النحوي مؤرج بن عمر، ابو فيد السدوسي ، إذ نال تكريمه([32][85])، والمحدث سعيد بن سالم بن قتيبة بن مسلم الباهلي أبو محمد البصري (ت 215هـ/ 830م)، الذي عمل في خراسان ببعض المناصب الادارية، وحدَّثَ ببغداد، فكانت له عند المأمون أيضاً حظوة كبيرة([33][86]).
وتمت الاشارة للفقيه يحيي بن أكثم الذي حظي بمكانه متميزة لدى المأمون، إذ يشير الخطيب البغدادي إلى ان هذا الرجل "أحد اعلام الدنيا قائم بكــل معظلة،





غلب على المأمون حتى أخذ بمجامع قلبه وقلده القضاء وتدبير مملكته، وكانت الوزراء لا تعمل شئ الا بعد مطالعته"([34][87]).
اما الحديث عن اهتمامه برفد بيت الحكمة بالاموال والكتب وكل ما تحتاجه فسيسلط الضوء عليها في الصفحات التالية من الرسالة، فلا عجب إذا ما عدَّ أحد كبار العلماء([35][88]) و" لم يل الخلافة من بني العباس أعلم منه"([36][89]) .
وبدأ المنحنى في ميدان الاهتمام العلمي والفكري لا يميل لصالح الخليفة المعتصم (218-227هـ/ 833- 841م)، الذي شهدت سنوات حكمه الانتقال إلى مدينة سر من رأى عاصمة جديدة للخلافة العباسية جراء الصراع الذي شهدته العاصمة بغداد، ولم يعد أهل بغداد قادرين على تحمل العسكر، الا أن علاقته بالعلماء والأدباء والشعراء تواصلت ولو على نحو أقل بكثير عما كانت عليه أيام المأمون، إذ هناك اشارات إلى أن بلاطه حفل ببعض العلماء والأدباء والشعراء([37][90])، حتى اشير إلى ان له بعض الاشعار([38][91]). واستمرت الحال أيام الخليفة الواثق (227-232هـ/ 841- 846م) في حركة متباطئة للحركة الفكرية والعلمية إذا ما عدت مدة المأمون هي مرحلة الذروة، الا ان هذا لا يعني ان الواثق لم يكن أديباً ومليح الشعر، إذ تشير بعض المصادر الى انه فاق خلفاء بني العباس في كثرة روايته للشعر، وأجزل العطايا لرواته([39][92]). وأثار السيوطي موضوعاً جديداً لاهتمامات خلفاء بني العباس وهو الغناء إذ أشار إلى ان الواثق "كان أعلم الخلفاء بالغناء، وله أصوات وألحان عملها نحو مائة صوت"([40][93])، الأمر الذي يعني الاهتمام أكثر من أي وقت مضى بالغناء والفنون، ومع ذلك ازدهرت في عهد الواثق مجالس العلم والأدب فجالس الفقهاء والعلماء والشعراء، وارتقت منزلتهم الرفيعة لديه([41][94])، حتى أطلق عليه السيوطي"المأمون الأصغر لأدبه وفضله"([42][95]).
ورعى الخليفة المتوكل (232-247هـ/846-861م)، العلم والعلماء([43][96])، وعجت قصوره بمجالسهم ومناظراتهم العلمية في شتى ضروب المعرفة([44][97])، ولا يمكن ان يتم ذلك لولا انه هو نفسه كان "غزير العلم" كما اشار ابن الجوزي([45][98]). إذ تكفي الاشارة إلى أن علماء خراسان حظوا عنده بمكانه متميزه إذ كرمهم وأجزل لهم العطايا، فعندما استدعى الخليفة المتوكل سنة 234هـ/ 848م كبار فقهاء ومحدثي بغداد كان من بينهم ابراهيم بن عبدالله الهروي فمنحهم الجوائز، بل أجرى عليهم الارزاق ، وطلب منهم ان يحدثوا الناس بالاحاديث التي ترد على المعتزلة* والجهمية**، فقاموا ونفذوا ما طلب([46][99]).
واللافت للنظر إن المدة التي اعقبت وفاة المتوكل عام 247هـ/ 860م، حتى نهاية حكم الخليفة المستكفي بالله عام 334هـ/ 945م، ابتليت فيها الخلافة العباسية بصراعات دموية ومشكلات سياسية وادارية، إذ لم يمض قرن من الازدهار الثقافي والعلمي والفكري في ظل ورعاية الخلافة العباسية حتى بدأت سيطرة النفوذ التركي على البلاد وكأنها كابوس ثقيل، أمسكوا بمقاليد الأمور، ولم يعد للخلفاء سلطة فعلية، فأثر ذلك على نحو سلبي في الحياة العلمية في بغداد، وهكذا تتأكد حقيقة ان الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي يتناسبان على نحو طردي مع التطور العلمي والثقافي، وعلى اية حال لم تقتصر رعاية العلم والعلماء على دار الخلافة والوزراء والأعيان بل ان شيوخ وأهالي بغداد اهتموا على نحو واضح بالعلم وأهله كما سنوضحه في الصفحات التالية.
رابعاً: اهتمام شيوخ بغداد وأهاليها بالعلم والعلماء:
       إن الرخاء الاقتصادي الذي عمَّ الدولة العباسية منذ أيام أبي جعفر المنصور، اثر على نحو واضح في اهتمام مشايخ بغداد وأهلها بالحركة العلمية، ورغبتهم بارتشاف مناهل الثقافة والمعرفة وتكريم العلماء، وما يؤكد ذلك ما أشارت إليه المصادر من تمسك أهل بغداد بالعلم والأدب([47][100])، ولم تقتصر خيبة أمل الناس يومئذ على فقدان خليفتهم أو أميرهم المحبوب، ولكن ينتابهم الحزن والمرارة إذا ما فقدوا عالماً جليلاً، فقد ورد عن أهل بغداد قولهم في رسالة للأمام البخاري:
المسلمون بخير ما بقيت لهم
            وليس بعدك خير حين تفتقد([48][101]).
ويبدو ان أهل بغداد كانوا محقين فيما ذهبوا إليه إذ اعجبوا بسعة علمه وقوة حفظه وجلالة قدره فاعترفوا له بالفضل منذ وصوله إلى بغداد سنة 210هـ/ 825م([49][102]). وليس أدل على احترام وتقدير أهالي بغداد وشيوخها للعلماء من احتفائهم بقدوم عالم وخروجهم لاستقباله، فمثلاً، عندما وصل الفقيه الحكم بن عبدالله بن مسلمة أبو مطيع البلخي (ت 199هـ/ 814م) إلى بغداد كان قاضي القضاة أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم (ت 182هـ/798م)، في مقدمة مستقبليه([50][103])، وعند قدوم العالم عمرو بن مسلم أبي حفص النيسابوري الصوفي (ت 265هـ/ 878م)، إلى بغداد " اجتمع من كان بها من مشايخ الصوفية وعظموه وعرفوا له قدره ومحله"([51][104])، وتصف لنا المصادر الصورة التي استقبل بها أهالي بغداد المحدث جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض أبا بكر الفريابي (ت 301هـ/ 913م)، عند وصوله الى بغداد إذ

استقبل بالطيارات
* والزَبازَب**، وعقد فيها المجالس العلمية الحافلة بآلاف المستمعين، وكان أبو بكر الفريابي رحل شرقاً وغرباً طلباً للعلم والتقى بالعلماء الأعلام  سواء بخراسان أو بلاد ما وراء النهر واستقر به المقام في بغداد أواخر عمره([52][105]). اما الفقيه والأديب هارون بن محمد بن موسى الجويني الازاذواري (كان حياً 310هـ/ 922م)، فقد تنقل بين نيسابور والري وبغداد قبل سنة 310هـ/ 922م، وتكفى الإشارة إلى أنه إذا ورد اسم هذا العالم الجليل في بغداد " يهتز مشايخها لوروده"([53][106]).
       والملاحظ أنه على الرغم من ان اللغة الرسمية لأهالي خراسان هي اللغة الفارسية([54][107])، قبل الفتح الإسلامي، إدرك أهالي خراسان على نحو عام فصاحة العرب بعد الفتح الإسلامي لخراسان واستيطان العرب فيها، فسعى أهالي خراسان إلى تعلم العربية حتى أصبحت في مدة قصيرة لغة التعلم ولغة الدواوين الرسمية في البلاد، وامتد هذا التأثير إلى أصغر كور خراسان، فمثلاً، في نيسابور كانت هناك كورة اسمها (حيز بشت)، سميَّ أهلها عرب خراسان لفصاحتهم([55][108])، وعرفت بكثرة أدبائها وفضلائها([56][109])، وكانت معرفتهم باللغة العربية عميقة، فلما ورد علماؤهم الى  بغداد أثاروا اعجاب أهاليها بهم لتمكنهم من اللغة العربية، إذ أثار المحدث الفقيه هياج بن بسطام التميمي أبو خالد الحنظلي الخراساني الهروي (ت 177هـ/
793م)، اهتمام أكثر من مائة ألف بغدادي وأعجبوا بفصاحته حتى عدوّه أعلم الناس وأرحمهم وأجلهم وأسخاهم وأفقههم
([57][110])، والأمر ينطبق على الصوفي عمر بن مسلم أبي حفص النيسابوري إذ كان "أعجمي اللسان فلما دخل بغداد، قعد معهم يكلمهم بالعربية"([58][111])، مثلما أعجب علماء اللغة ببغداد بما وصل اليه إمام الأدب بخراسان اللغوي الأديب أحمد بن محمد البستي أبو حامد المعروف بالخارزنجي
(ت 348هـ/ 959م)، من تقدم في معرفة اللغة العربية
([59][112])، حتى قيل عنه "هذا الخراساني لم يدخل البادية قط وهو من آدب الناس: فقال: انا بين عربين: بشت وطوس"([60][113]).
       وقال مشايخ بغداد عن العالم الخراساني أبي بكر محمد بن المؤمل الماسرجسي "كأنه لم يتكلم الفارسية قط"، فأثار اعجابهم وتحيروا من فصاحته وحسن بيانه([61][114]).
       وبغض النظر عن كونها تقاليد إسلامية، الا ان جنازات بعض علماء خراسان شيعتّها أعداد هائلة من أهالي بغداد وعلمائها تكريماً واعتزازاً، كما حدث في جنازة المحدث شجاع بن مخلد أبي الفضل البغوي (ت 205هـ/ 820م)، الذي سكن بغداد إلى حين وفاته. وعندما توفي حضر تشييعه بشر كثير من أهالي بغداد ودفن في مقبرة باب التبن ببغداد([62][115]). وكذلك عند جنازة الصوفي الشهير بشر بن الحارث الحافي عندما توفي في بغداد سنة 227هـ/ 841م، ودفن في باب حرب، فقد شهد جنازته الامام أحمد بن حنبل وولده عبدالله وخرج في جنازته من أهل بغداد حشد كبير([63][116])، حتى قال ابن كثير انه " اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم"([64][117]). والامر نفسه في جنازة الامام أحمد بن حنبل سنة 241هـ/ 855م، التي حضرها الآلآف من أهالي بغداد([65][118])،وجنازة المحدث إبراهيم بن اسحق الحربي سنة 285هـ/ 898م([66][119])، وجنازة المحدث الحسن بن الطيب أبى علي البلخي المعروف بالشجاعي سنة 307هـ/ 919م، إذ يذكر الخطيب البغدادي نصاً اجتمع عليه " من الناس مالا يحصى عددهم الا الله"([67][120]). وعند وفاة عبدالله بن سليمان بن الاشعث أبي بكر بن أبي داود السجستاني في بغداد سنة 316هـ/ 928م، صلى عليه من أهالي بغداد ما يقارب الثلاثمائة ألف انسان أو أكثر([68][121]).