السبت، 11 مايو 2019

السبت، 12 يناير 2019

المحاضرة العاشرة جدل العقل الديني والعقل العلمي أو تقويض الفعل السياسي


المحاضرة العاشرة
جدل العقل الديني والعقل العلمي أو تقويض الفعل السياسي
 تؤكد الأبحاث والدراسات المهتمة بالفكر السياسي الحديث والمعاصر، على أنه لا يمكن أن تحقق الدولة معقولية على مستوى ممارسة السلطة السياسية، إلا إذا تمكنت من تحقيق توازن بين ما هو مادي وما هو أدبي / إيديولوجي فيما يتعلق بتأطير الأفراد. فالدولة التي ترتكز على حق القوة ولا تعير لما هو أدبي أي اهتمام، يمكن وصفها بالقمعية التسلطية، إذ ليس بإمكان القوة المادية الرادعة أن تفرض الولاء النفسي لأفراد المجتمع. وهكذا، فالدولة التي تغيب الجانب الإيديولوجي الإيجابي المساير للسياسة العقلية تلجأ إلى حل من اثنين: إما أن تفرض قوتها بالتسلط المادي القاهر، وإما أن تستعمل إيديولوجيا دينية تسيطر من خلالها على أفهام الأفراد وتشل فيهم القدرة على مقاومة التخلف الفكري والعقلي، وهذا ما تفعله الدول العربية فالدولة التي لا تهتم بإنتاج إيديولوجيا إيجابية لتأطير مواطنيها تتماشى مع التوجه السياسي الذي تتبعه، يعيش أفرادها مفارقة نفسية تتجلى في غياب الروابط الوجدانية بين الأفراد وجهاز الدولة، الشيء الذي يخلق فيهم نفورا وربما عداء لها. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، تغيب الأهداف المشتركة العامة التي بإمكانها خلق الإجماع بين مختلف المواطنين، مما يجعل هؤلاء الأفراد مجرد أشخاص متساكنين وليسو مواطنين. لأن شرط قيام الدولة الديمقراطية الدستورية، رهين بشرعنة تكون متجذرة في قناعات المواطنين[1]. وعليه، فالاهتمام بالجانب الأدبي / الإيديولوجي في محاولة إرساء أسس دولة وطنية حديثة وقوية أمر أساسي، ومبدأ لا يمكن الاستغناء عنه في كل محاولة لتجاوز حالة القطيعة التي تعم المجتمعات العربية المسلمة.
تسعى الدولة الوطنية الحديثة إلى توحيد وجدان أفرادها، وربطهم بالنظام السياسي الذي تتبناه نفسيا عن طريق خلق ثقة متبادلة بين السلطة والمواطن، ولا يمكن بلوغ ذلك إلا بالعمل على إقامة مجتمع سياسي يؤمن بالديمقراطية التشاركية، ولتحقيق هذا المطلب "لا بد من وجود مفهومين أساسين ومحوريين وهما: الشرعية والإجماع"[2].
 يتبين إذن أن تطبيق السياسة العقلية داخل الدولة الوطنية الحديثة هو الضامن للتوفر على الشرعية، أما ما يؤسس الإجماع على أهداف مشتركة داخل المجتمع المدني السياسي فهو، المصير المشترك والهوية التاريخية الجامعة.
هل تتوفر الدولة العربية المسلمة على هذا التوازن بين ما هو مادي وما هو أدبي، بالخصوص منها تلك الدول التي تدعي أنها تعمل على تحديث القطاعات العامة وتفعيل السياسة العقلية ؟ يلخص عبد الله العروي الحالة التي تعيشها الدولة العربية المعاصرة من خلال "مفهوم الدولة" قائلا: "إن الدولة العربية الحالية متأرجحة بين نمطين: السلطانية المملوكية (الدولة التقليدية) والتنظيمية العقلية، (الدولة الحديثة) بل تبدي في الواقع ملامح النمطين معا ويكمن سبب التأرجح في الفجوة بين السياسة والمجتمع المدني، بين السلطة والنفوذ المادي أو الأدبي بين الدولة والفرد"[1]. يتجلى هذا التأرجح في ادعاء الدولة بأنها تتخذ من السياسة العقلية طريقا للتنظيم السياسي والاجتماعي، في حين تستمر في استغلال الخطاب الديني التقليدي باعتباره إيديولوجيا تعمل من خلالها على استمالة الأفراد والسيطرة عليهم نفسيا.
إن الازدواجية التي تحدث عنها عبد الله العروي، تأتي من التنافر الذي يعرفه الفكر السياسي العقلي مع الفكر الديني التقليدي، تنافرا يمكن أن يصل إلى حد التناقض. وتؤدي هذه الازدواجية إلى ظهور حالة من القلق والترنح تتجلى في الواقع الاجتماعي لهذه الدول، وتبقى كل محاولة إصلاحية ترتكز على السياسة العقلية غير ذات أساس بسبب هذا القلق والترنح.
ويمكن حصر أسباب هذا الوضع القلق وغير المتمكن لمحاولات إقامة سياسة عقلية في سببين رئيسين:
السبب الأول يعود إلى استمرار السلطة في الإفراط في إنتاج الخطاب الديني التقليدي الذي كرس من خلاله الفقهاء على مر التاريخ في وجدان العامة، الحلم بإقامة دولة مثالية فضلى، وذلك بفعل تجاهل الواقع والقفز عليه والارتماء في أحضان الخيال، مع اعتبار
السياسة البشرية فعل دنيوي مدنس. وهذا ما يتم التعبير عنه في الأدبيات السياسية بالطوباويات[1].
أما السبب الثاني فيعود إلى رجوع أجهزة الدولة التقليدية إلى إحياء الخطاب الديني التقليدي ودعمه ماديا ومعنويا، مما أدى إلى سيطرته واحتكاره للفضاء العام، ليعدم كل فرصة بإمكانها إيصال الخطاب السياسي العقلاني إلى أفهام عموم المواطنين. وهذا ما لجأت إليه دول تقليدية عريقة لمواجهة محاولات تعقيل الفعل السياسي من الداخل، وإصلاح الأوضاع الاجتماعية. وقد أدى ذلك ليس إلى إحباط محاولات نشأت داخل هذه الدول، بل تم تصدير هذا الخطاب لدول أخرى، كانت تعمل على تثبيت مبادئ السياسة العقلية بين شعوبها مما أدى إلى استمرار مقاومتها.
إن الدولة التقليدية لا يمكنها البقاء إلا باستمرار سيطرة خطاب ديني تقليدي، ولهذا، فهي وإن كانت تقوم في بعض الأحيان بتقليم أظافر بعض المتشددين الذين يمكن أن يشوهوا صورتها دينيا، إلا أنها لا تفتأ تكافؤ الأغلبية ماديا ومعنويا. وهذا ما يبرر قيام الدولة بدعم رجل الدين ومعاقبة آخر ينتميان لنفس "البرادايم" ويحملان نفس الخلفيات الفكرية، بدعوى اعتدال الأول وتطرف الثاني، لأنها هي في حقيقتها تقوم وتحيى باستمرار ذاك الخطاب الديني التقليدي المتشدد في جوهره، والذي يعمل باستمرار على إحباط كل محاولات تعقيل الفعل السياسي والاجتماعي.
إنها تحيا بحياة هذا الخطاب المتشدد، ولكن عليها في نفس الوقت أن لا تفقد السيطرة عليه حتى لا ينقلب ضدها في أول فرصة تمكنه من ذلك.
إذا لم تتمكن الدولة الوطنية الليبرالية في الوطن العربي من الوصول إلى أفهام المواطنين، فإن ذلك لا يرجع فقط إلى ضعف الإيديولوجية التي تقدمها هذه الدولة للمواطن فقط، بل إن الحجر الذي تمارسه الدولة التقليدية على المواطن بفرض خطابها الديني التقليدي، يحبط كل محاولة إصلاح سياسي واجتماعي على أساس عقلي. فالدولة التقليدية مازالت تقوم وتستمر بالبقاء لأنها تأخذ "الشرعية"، وتبرر استمرارها في تفعيل آلياتها القمعية، من فشل محاولات تعقيل الفعل السياسي والاجتماعي.
إن النظر في هذا الموضوع بهذه الكيفية، يجعلنا نتساءل عن مآل كل تلك الدعوات الإصلاحية التي يعبر عنها الفاعلون في حقل السياسة والاجتماع في مجتمعنا المغربي، والرامية إلى إصلاح الأوضاع الاجتماعية والسياسية، في ظل عمل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تخريج فيالق "رجال دين" يعملون على إعادة اجترار خطاب ديني تقليدي يحمل في جوهره منافاة للسياسة العقلية، ويخلق وعيا مفارقا للواقع، دون أدنى محاولة من هذه الوزارة للعمل على تعقيل هذا الخطاب وتجديده، وفقا لمتطلبات العصر والعلم.
إذن، فكل الجهود التي تبدل وتنفق في سبيل تحديث القطاعات وتفعيل السياسة العقلية من أجل إصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، يتم تقويضها بواسطة رجال الدين الذين أصبحوا يتكاثرون بفعل الاستفادة المادية والمعنوية التي يحصلون عليها، على حساب المال العام، وبسبب ما ينشرونه من معرفة مناقضة للتاريخ والعلم بين العموم.


المحاضرة التاسعة "الفكر العربي الحديث" . تعريف المصطلح وتصنيف التيارات والجبهات


المحاضرة التاسعة
"الفكر العربي الحديث" . تعريف المصطلح وتصنيف التيارات والجبهات

بدءاً من هذا العدد يخوض الدكتور حسن حنفي في مسائل "الفكر العربي الحديث"، مفنداً الاسس والمنطلقات التي تقوم عليها تياراته الرئيسية الثلاث: "تيار الاصلاح الديني"، "التيار العلمي العلماني"، و"التيار الليبرالي التنويري"، معتبراً هذه التيارات مجرد مداخل نظرية للواقع العربي الحديث. ومن خلال نشرها هذه الحلقات، تطمح "الوسط" الى فتح باب النقاش، واستثارة الآراء ووجهات النظر المتباينة في هذا الموضوع.
يتكون "الفكر العربي الحديث" من ثلاثة مصطلحات: الفكر، العربي، الحديث. في حين جرت العادة ان تكون تسميات المقررات الفلسفية من مصطلحين اثنين: فلسفة اسلامية، فلسفة يونانية، فلسفة غربية، فلسفة سياسية، فلسفة اخلاق، فلسفة القيم، فلسفة العلوم، علم الجمال. وهذا يدل على ارتباط الفلسفة بحضارة معينة اسلامية: الفكر وليس الفلسفة، العربي وليس الاسلامي، الحديث، الذي يشير الى العصر من دون تخصيص في حضارة بعينها.

ولفظ "الفكر" لفظ عام يضم كل نشاطات الذهن ويشمل كل الاجتهادات، في حين ان لفظ الفلسفة لفظ خاص يشير الى الفكر المنظم في نسق او في مذهب، وهو ما لم يصل اليه الفكر العربي الحديث بعد. اذ تغلب عليه النظرات العامة في الانسان والمجتمع والدولة والواقع، ويضم السياسة والاخلاق والاجتماع والاقتصاد من دون عرض نظري كاف. ويتجه نحو العمل والسلوك، والى التغيير اكثر منه الى الفهم، معظمه مدون في مجلات ثقافية او في صحف سيارة من دون ان يوجد كتاب نظري محكم الا القليل. وحمله المفكرون المصلحون والصحافيون والادباء. لذلك طرح السؤال باستمرار: هل هناك فلسفة عربية؟ هل لدينا فلاسفة عرب؟

والخطأ في السؤال لا في امتناع الاجابة، فان السؤال يفترض ان الفلسفة هي في الضرورة فلسفة نظرية، ونسق محكم كما هو الحال في عصر المذاهب في القرن التاسع عشر الغربي، في حين انها قد تعني ايضا اجتهادات فكرية في الانسان والمجتمع كما كان يفعل سقراط في بداية الفلسفة اليونانية، وعصر النهضة الاوروبية في القرن السادس عشر مثل محاولات مونتاني وكتابا جيوردانو برونو. ونحن نمر بمرحلة تاريخية مشابهة في بداية عصر جديد يقوم الفكر فيها بدور النقد للقديم وتأسيس الجديد واصلاح المجتمع. ثم غلب عليه طابع المحاولات والاجتهادات والعموميات والخطاب الشائع من دون نظريات او مصطلحات مناهج او مذاهب محكمة.

اما لفظ "العربي" فهو البديل من لفظ الاسلامي في فلسفة اسلامية، وذلك لأن الحديث تداخل فيه الاسلامي والعربي. انهارت الامبراطورية العثمانية ودولة الخلافة في 1923 ونشأت حركة القوميين العرب، العرب في مقابل الاتراك. وأصبح: مجتمعنا "العربي" وفكرنا "العربي" ودولنا "العربية".

والحقيقة ان الفكر الاسلامي الحديث ايضا وارد لأنه يمتد الى القرن الماضي حيث كانت دولة الخلافة ما زالت قائمة، وكان الفكر اسلاميا اكثر منه عربياً، كما ان كثيرا من المفكرين لم يكونوا عربا قومية او لغة مثل السيد احمد خان في الهند، ومحمد اقبال شاعر الهند قبل ان تنفصل باكستان عنها، وانور باشا في تركيا. بل ان الافغاني مؤسس الحركة الاصلاحية ليس عربيا بل افغاني او ايراني. كما ان كثيراً من المفكرين العرب المحدثين ليسوا مسلمين دينا مثل شبلي الشميل وفرح انطون ونقولا حداد وسلامة موسى ولويس عوض ووليم سليمان بل من نصارى الشام، ولاؤهم للعروبة لغة وللاسلام ثقافة. كما كان الحال قديما في القرن الثاني للهجرة عندما اسس المأمون بيت الحكمة وأقام عليه المترجمين النصارى مثل حنين بن اسحق واسحق بن حنين ومتى بن يونس وثابت بن قرة وقسطا بن لوقا وغيرهم من مفكري القومية العربية مثل ساطع الحصري . ومنذ ان اصبحت القومية العربية هي ايديولوجية الثورات العربية الحديثة التي قامت بمهمة التحرر من الاستعمار اصبح لفظ العربي وارداً. وبالتالي امكن تسمية الفكر العربي وان كان يتضمن الفكر الاسلامي.

اما لفظ الحديث، فيمتد تاريخياً ليشمل القرن الماضي، وهذا القرن منذ محمد علي حتى العصر الحاضر. فالحديث اوسع من المعاصر الذي قد يشير فقط الى ما بعد الحرب العالمية الثانية. عاش رواد الفكر العربي الحديث في القرن الماضي: الافغاني، الطهطاوي، شبلي الشميل، السيد احمد خان، انور باشا، خير الدين التونسي، وامتدت تياراتهم واتجاهاتهم حتى العصر الحاضر. ومع ذلك يستعمل اللفظان الحديث والمعاصر على التبادل "الفكر العربي الحديث" الفكر العربي المعاصر. وفي حال استعمال المعاصر وهو الغالب يتم توسيع الفترة الزمنية حتى تشمل العصر الحديث كله.

ونظراً الى تداخل التحقيب الهجري والتحقيب الميلادي في الفكر العربي الحديث فان الغالب هو التحقيب الميلادي، فيقال الفكر العربي الحديث في القرن التاسع عشر او في القرن العشرين ولا يقال في القرن الثالث عشر او القرن الرابع عشر الهجريين. كما يقال مثلا العالم في مطلع القرن العادي والعشرين، ومصر سنة 2000، ولا يقال العالم في مطلع القرن الخامس عشر، ومصر سنة 1400، كما كنا قبل ثلاثة عشر عاماً. في حين تصر دول اخرى على تحقيبها الخاص مثل ايران، اذ انها الآن في الالف السادسة واسرائيل ايضا في الالف السادسة، اعتزازاً بالوعي القومي، فاذا حاولت ليبيا ذلك لم يتبعها احد لا في اسماء الشهور والاعوام ولا في بدايات التاريخ: وفاة الرسول بدلا من هجرته. وما زال نصارى الشام يستعملون اسماء الشهور العربية القديمة كما يستعمل اقباط مصر اسماء الشهور القبطية.

وقد يمتد الفكر العربي الحديث - وفي هذه الحالة لا تصدق تسمية العربي - الى جذوره التاريخية الاولى عند ابن تيمية في القرن السابع الهجري وتلميذه ابن القيم مؤسس المدرسة السلفية الحديثة، فهو الذي بدأ بمحاولات الاصلاح الديني والاجتماعي والسياسي وتنقية الفكر الاسلامي مما علق به من ملل ونحل عن طريق العودة الى الاصول عن احمد بن حنبل الذي رفض الدخول في الخلافات والمهاترات الكلامية مثل القول بقدم الخلق او بحدوثه وآثر التعذيب على الخوض في مسألة لا ينتج منها فعل.

وابن تيمية هو الذي يقسم الحضارة الاسلامية الى فترتين: الاولى العصر الذهبي من القرن الاول حتى القرن السابع، والثانية عصر الشروح والملخصات الموسوعات من القرن الثامن حتى القرن الرابع عشر. الاولى فترة الابدع اعتماداً على العقل، والثانية فترة التدوين اعتماداً على الذاكرة، كأننا في حاجة الى ابن تيمية جديد او ابن خلدون جديد الذي اعقبه بقرن كي ينهي الفترة الثانية ويبدأ فترة ثالثة : عصر الابداع الثاني او النهضة الثانية في القرن الخامس عشر الهجري حتى القرن الواحد والعشرين اذا كان الايقاع السباعي هو مسار التاريخ.

وقد يمتد فقط الفكر العربي الحديث - وهي هذه الحالة لا تصدق ايضا تسمية العربي بل الاسلامي - الى القرن الثاني عشر الهجري او الثامن عشر الميلادي الى محمد بن عبدالوهاب في الجزيرة العربية مؤسس الحركة الوهابية والدولة السعودية الحديثة متابعاً المدرسة السلفية عند ابن تيمية وابن القيم وجذورهما عند احمد بن حنبل داعياً الى تخليص العقيدة من شوائبها والاتجاه الى الله وحده بالعبادة من دون توسط الاولياء او الأحجية او التبرك بالاشحار، وكما عبر عن ذلك في كتاب "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد". اعتماداً على النصوص الخام من الآيات القرآنية والاحاديث النبوية من دون اعمال الفكر في النص فخرج فكره نصياً يعتمد على قال الله وقال الرسول، وهي السمة الغالبة على الفكر السلفي حتى في هذه الايام لدى الجماعات الاسلامية الحالية.

وقد نشأ التيار السلفي النصي الاصلاحي نفسه الداعي الى العودة الى صفاء السلامي الاول عن الامام الشوكاني في اليمن في القرن الثاني عشر الهجري:، الثامن عشر الميلادي، وعندالالوسيان في العراق وعند السنوسي في ليبيا. وتقوم هذه الحركات كلها على تصويب النص نحر الواقع، وادراك الواقع من خلال النص من دون توسط اي فكر بينهما، فنشأ تيار نصي حركي اجتماعي سياسي، عملي اصلاحي من دون فكر نظري يمد الفكر العربي المعاصر بجذوره الاولى في التراث وفي المجتمع. ومع ذلك تظل مساحة الفكر العربي الحديث اصطلاحا هما: القرن الماضي وهذا القرن.

وينتظم المفكرون العرب المحدثون في تيارات رئيسية عدة، يختلف الدارسون العروبيون الذي يجمعون بين الاسلام والعروبة مثل الكواكبي. والحقيقة ان هذه التيارات الثلاثة انما تنضم في تيار واحد وهو الاصلاح الديني الذي اسسه جمال الدين الافغاني. ونقطة البداية في هذا التيار هو الدين، لا يتغير شيء في الواقع ان لم يتغير تصورنا للدين اولاً. إصلاح الدين هو الطريق الى اصلاح المجتمع.

والتيار الثاني هو التيار العلمي العلماني الذي بدأه نصارى الشام المهاجرون الى مصر مثل شبلي الشميل، فرح انطون، نقولا حداد، يعقوب صروف، سلامة موسى، وبعض المسلمين مثل اسماعيل مظهر وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا. وهناك ايضاً فروع فيه علمية علمانية تنحو نحو الاشتراكية مثل شبلي الشميل وسلامة موسى، واخرى تنزع نحو الرأسمالية مثل زكي نجيب محمود، وثالثة تنحو نحو الليبيرالية مثل فؤاد زكريا.

ونقطة البداية في هذا التيار هو العلم والعلمانية، الطبيعة والمجتمع المدني. لا يتغير شيء في الواقع ان لم يتغير مفهومنا للطبيعة والمجتمع اولا، فالطبيعة مصدر العلم، والعلم الطبيعي به صلاح الدنيا، كما ان العلوم الدينية عند القدماء بها صلاح الآخرة. والمجتمع هو المجتمع المدني وليس الديني، المجتمع الذي يفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. الدين علاقة خاصة بين الانسان وربه، اما المجتمع فهو علاقة عامة بين المواطن والمواطن، الاولى فردية خاصة، قلبية روحية. والثانية اجتماعية عامة عقلي

، تقوم على العقد الاجتماعي. وهو الموقف الذي يصدر عن نتيجة التجربة الغربية في العلم والعلمانية. وهما اساسان للنهضة الحديثة في الغرب.

والتيار الثالث هو التيار الليبيرالي التنويري الذي اسسه رفاعة رافع الطهطاوي في مصر وخير الدين التونسي وابن ابي ضياف في تونس، وانور باشا ومحدت باشا في تركيا. ونقطة البداية في هذا التيار هي الدولة. لن يتغير شيء في الواقع ان لم نبن الدولة الحديثة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً وعسكرياً وقانونياً وتربوياً. فالدولة عصب المجتمع، هي التي تحميه من المخاطر وتمهد له رغد العيش. ويمكن التمييز في هذا التيار الثالث بين فروع عدة: الليبيرالية التنويرية التي تبدأ من التنوير الغربي ولكن تفرؤه في التراث القديم حتى يمكن ان تتحول الى ثقافة شعبية نابعة من الداخل وليست وافدة من الخارج كما هو الحال عند الطهطاوي وخير الدين التونسي، والليبيرالية العلمانية الصرفة التي تريد اقتفاء اثر الغرب من دون اي توفيق بينها وبين التراث الاسلامي كما هو الحال عند احمد لطفي السيد وطه حسين في "مستقبل الثقافة في مصر" ولويس عوض وفؤاد زكريا.

اضافة الى هذا التيارات الثلاثة هناك ايضاً جبهات ثلاث تضم الفكر العربي الحديث بكل تياراته وهي جبهات مستمرة تقوى وتشتد، تتعادل وتتسابق في ما بينها حتى الآن. الجبهة الاولى هي الموقف من التراث القديم الذي ما زال حياً في النفوس يمد الناس بتصوراتهم للعالم وبمعايير السلوك، تدافع عنه السلفية، ويهاجمه التيار العلمي العلماني، وتنتقي منه الليبيرالية ما ينفع وتترك ما يضر، ويعيد بناءه التيار الاصلاحي ليكون دافعاً على التقدم بعد التخلص من معوقاته فيه.

والجبهة الثانية: الموقف من التراث الغربي، نظراً الى انه التراث المعاصر لنا منذ اكثر من قرنين من الزمان، نتفاعل معه ويؤثر فينا. تختاره الاقلية في مقابل اختيار الغالبية التراث القديم. يدافع عنه التيار العلمي العلماني باعتباره تحديثا وعصرية ، فهو مصدره الاول. وتهاجمه السلفية باعتباره تغريباً وتبعية وتنتقي منه الليبيرالية ما ينفع وتترك ما يضر. وكذلك تفعل الحركة الاصلاحية.

والجبهة الثالثة: الموقف من الواقع. فالفكر العربي الحديث متصل اشد الاتصال بالواقع العربي الحديث ويعبر عنه. المدخلان الاولان: التراث القديم والتراث الغربي في الحقيق وسيلتان لفهم مكونات هذا الواقع وتطويره. فالواقع العربي هو الاساس الاول والمحرك الرئيسي للفكر العربي الحديث، تتفق عليه كل التيارات من حيث رصد عيوبه وتشخيصها وان اختلفت في الحلول. تتناول كل التيارات الاستعمار وتنادي بتحرير الارض، وتعرض لقضية القهر والتسلط، وتنادي بحرية المواطن وحقوق الانسان، وتحلل اسباب الفقر وتدعو الى العدالة الاجتماعية، وتشعر بأن المنطقة العربية واحدة بصرف النظر عن مدى اتساع رقعة الوحدة، عربية ام اسلامية ام شرقية ام العالم الثالث، وتحاول كلها الدفاع عن الهوية بدرجات مختلفة، اثبات الانا في مقابل الآخر، كما تحاول التنمية المستقلة بدرجات ايضا متفاوتة القضاء على مظاهر التخلف ثم تدعو الجماهير اليها من اجل حشدها والاعتماد عليها. الواقع العربي الحديث هو عنصر التوحيد لهذه التيارات الثلاثة التي تعتبر مجرد ثلاثة مداخل نظرية له، وحدة الواقع وعدد الاطر النظرية.


الخميس، 20 ديسمبر 2018

المحاضرة الثامنة الفكر الاسلامي المعاصر


المحاضرة الثامنة
الفكر الإسلامي المعاصر
 أما الفكر العربي الإسلامي المعاصر وكونه معاصرا فهذا يدل دلالة واضحة على أنّ الفكر متغير ومتطور تاريخيا وباستمرار عبر العصور، فهو مرتبط بالعصر الذي يتواجد فيه وبظروفه، ويتغير بتغير انشغالات واهتمامات ومشكلات العصر، ولما كانت الغاية القصوى في صدر الإسلام التمكين للإسلام على أرض الله ونشر عقائده وتعاليمه والدفاع عنها وشرحها وتوصيلها إلى الناس خاصة لأصحاب الديانات والثقافات والفلسفات الأخرى، كالفرس والروم والإفرنج واليونان وغيرهم كثير، جاء الفكر بطابع عقلي جدالي يقوم على الحوار والمحاجة والجدل ويستخدم الاستدلال العقلي المنطقي في إثبات عقائد الإسلام ودفع الشبهات عنها، وفي الردّ على الخصوم والمعارضين الذين هم من داخل العالم الإسلامي أو من خارجه، الطابع العقلي الاستدلالي المنطقي الفلسفي للتفكير في هذه الحقبة التاريخية عكسته الفرق الكلامية والاتجاهات الفلسفية.
    * بعد مرحلة استخدام الاستدلال العقلي المنطقي للذود عن الدين وفي ظل أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية وظروف فكرية وثقافية مغايرة للتي سبقتها ازدهرت حركة التصوف والمتصوفة، وازدهرت حركة العلم والعلماء والبحث العلمي ومناهجه، وانتهت إلى نتائج علمية متطورة جدّا بالقياس إلى الحركات العلمية السابقة وما تميّزت به في الشرق القديم أو في الحضارة اليونانية، تمثلت هذه النتائج في ظهور عدد من العلوم المزدهرة، فلسفية ودينية مثل علم الكلام وعلوم التصوف وعلم أصول الفقه وعلم الفقه وعلوم القرآن وعلوم الحديث وغيرها، وطبيعية تجريبية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء والرياضة والفلك وغيره، وإنسانية واجتماعية من التاريخ والعمران البشري وعلم الاجتماع وغيره، بهذا ارتبط الفكر العربي الإسلامي بأوضاع وظروف ومشكلات الإنسان في المجتمع الإسلامي منذ ظهور الإسلام حتى الآن، كما ارتبط بحضارة عربية إسلامية مزدهرة قائمة بذاتها انبثقت من مبادئ وقيّم ومفاهيم الإسلام عقيدة وشريعة في تفاعلها وتواصلها مع الديانات والثقافات والفلسفات والحضارات السابقة.
    * لما كان الفكر نشاطا إنسانيا مرتبطا بالظروف التاريخية وحركة بشرية تمليها الأوضاع التي يعيشها الفرد وتعيشها الجماعة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا في عصر من العصور، فإنّ الظروف التاريخية والاهتمامات والانشغالات والمشكلات والتحديات والتحولات التي عاشها ويعيشها الإنسان في العالم العربي والإسلامي في العصر الحديث والمعاصر تختلف تماما عن تلك التي عرفها المجتمع الإسلامي القديم، وهي كثيرة منها الاستعمار، الاستقلال، الإصلاح، النهضة، التخلف، التحرر، الحداثة، ما بعد الحداثة، التجديد، التنوير، القومية، الليبرالية، الاشتراكية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، المجتمع المدني، العلمنة، العلمانية، الأتمتة، والعولمة وغيرها، فالفكر العربي الإسلامي المعاصر يشمل كل البحوث والدراسات والمشاريع الفكرية والفلسفية التي تشتغل ببحث المشكلات والقضايا والانشغالات في العام العربي الإسلامي المعاصر، وهي اهتمامات المجتمع المعاصر بصفة عامة واهتمامات الشعوب المتخلفة ومنها الشعوب العربية الإسلامية، ولكونها شعوبا تراثية فإنّ الفكر لديها مرتبط بالتراث العربي الإسلامي من جهة وبالوافد من جهة أخرى، فهو يخضع لمحددات ثلاثة الموروث والوافد والواقع المعيش، ويتصدى لهذا الفكر عدد من المفكرين والباحثين منتشرين عبر أقطار البلاد العربية والإسلامية، كما يمثله عدد من الاتجاهات الفكرية والدينية، ويستجيب لاهتماماته عدد من المشاريع الفكرية تمثل الموقف الحضاري فيه.
    * إنّ أهمّ ما تميّز به الفكر العربي الإسلامي عامة، والفكر العربي المعاصر خاصة ظاهرة التعدد والتتنوع والتركيب، ففيه الموروث المحلي والدخيل، وفيه المعاصر الوافد وغير الوافد، وبين الوافد والموروث يوجد تعدد كبير وتنوع هائل في عناصر ومكونات المنظومة الفكرية في العالم العربي والإسلامي، هذه المنظومة التي تتفاعل بداخلها سائر عناصر المظاهر الثقافية والفكرية والمعرفية فيما بينها من جهة ومع تحولات العصر وتحدياته من جهة أخرى، والتفاعل الداخلي بين عناصر المركب للمنظومة يتم في توافق وانسجام على مرّ العصور واختلاف ظروفها التاريخية وتجدد الأبنية المعرفية والثقافية باستمرار مع تجدد أوضاع الحياة، والذي يدل على مدى التفاعل داخل شبكة المنظومة الفكرية العربية والإسلامية عامة هو ارتباط الفكر في هذه الشبكة بالحياة الثقافية والفكرية والفلسفية والعلمية وغيرها، وبكل ما هو عربي فكرا وممارسة وتاريخا وغيره وبكل ما هو إسلامي عقيدة وشريعة وفكرا وممارسة وتاريخا وغيره، وبكل التحولات والتحديات المعاصرة في العالم بصفة عامة وفي العالم العربي والإسلامي بصفة خاصة، وباستجابات هذا الفكر لهذه التحديات وبآفاقه وتطلعاته، وبحكم تركيبه فهو ينطوي على ما هو ثابت وعلى ما هو متغير، فلكونه إسلاميا ففي الدين ما هو هدي إلهي أزلي خالد لا مكان للتجديد فيه، والفكر الإسلامي نتيجة للتفاعل بين المسلمين وأحكام الدين الخالدة، هذا التفاعل الذي يستمر مع أجيال المسلمين التي تضطلع بالتفكير في الإسلام يتأثر ويتكيف وينفعل بالظروف القائمة التي تحيط به، وبمطالب وحاجات الناس وبالوسائل والإمكانيات المتاحة، مما يدل على احتواء الفكر الإسلامي للمتغيرات واستيعابه للجديد وممارسته التجديد في ظل الهدي الأزلي الخالد الذي يتضمنه الوحي وبيّنته السنة النبوية الشريفة، هذه الثنائية ثنائية الثبات والتغير في الفكر الديني الإسلامي سنة كونية وحكمة إلهية قامت عليها الحياة، والأمر نفسه مع الفكر العربي الذي يتضمن قيّما ثابتة قد تكون مشتركة بينه بين الفكر العالمي العام وقد تكون خاصة به، عرفها ومازالت تحدده ويتحدد بها، وهكذا مع كل أنواع الفكر سواء أكان الفكر مشتركا بين بني الإنسان ولهم عامة أو كان خاصا ببعضهم فهو متعدد المكونات متنوع الروافد فيه الثوابت والمتغيرات، يتّجه نحو الأوضاع التي تميّز عصره يشهد لها أو عليها، يكرسها ويبررها أو يثور في وجهها، يسكّن الواقع أو يحركه، يتميّز بالفعّالية والتأثير أو بالسكون والجمود، يُسهم في تغيير الواقع وتطوير الحياة أو يكتفي بالإتباع والنقل من موروثه أو مما يعاصره.

الجمعة، 7 ديسمبر 2018

المحاضرة السابعة التاريخ وظاهرة التاريخية


     المحاضرة السابعة
التاريخ وظاهرة التاريخية
لمحور الأول: المعرفة التاريخية
التاريخ فضلا عن كونه وقائع و أحداث تنتمي إلى الماضي، هو معرفة نمتلكها بخصوص ذلك الماضي.
·        فما طبيعة هذه المعرفة: هل هي معرفة علمية ناظمة لحوادثه أم أنها مجرد معرفة سردية لها؟
·        هل تنتمي المعرفة التاريخية إلى العلم أم إلى الأدب و الفن فقط؟
·        لذلك ظلت المعرفة التاريخية و  لقرون عدة مقترنة  بالوظيفة التربوية
·        . فالمؤرخ أولا و قبل كل شيء مربي لناشئة عصره، وذلك  من خلال  كشفه  لهم عن أمجاد  أجدادهم، وبطولات أسلافهم, والتي  من خلال معرفتهم لها  يتولد لديهم الفخر و الاعتزاز بالانتماء إلى الجماعة البشرية  التي هم أعضاء فيها, و تبعا  لذلك مزيدا من الاستعداد للدفاع عنها ولم لا التضحية في سبيلها ما دام هناك من الأجداد والأسلاف من فعل ذلك في الماضي. غير أن اقتران المعرفة التاريخية بهذه الوظيفة جعلها أكثر بعدا من أن تكون معرفة علمية,
·        فإن المؤرخ لم يكن ليكلف نفسه عبء فحص وتمحيص ما يدونه، لأن هدفه ليس هو الحقيقة في حد ذاتها، وإنما النتائج التي يجنيها من ورائها، لذلك لا عجب أن تتضمن مؤلفات المؤرخين، وخصوصا القدامى منهم، جملة من الأحداث والوقائع الزائفة و المغلوطة، كما لا عجب أن يقدم مؤرخين تاريخين مختلفين ومتناقضين لنفس الجماعة البشرية، حيث ما يذكره هذا ويصنفه ضمن الوقائع الجديرة بالتدوين، يهمشه الآخر ويسكت عنه والعكس بالعكس . فيكفي أن تكون الغايات الكامنة وراء التدوين متناقضة لتكون مضامين ما يدوناه متناقضة أيضا، وهكذا فتاريخ للمغرب مثلا كتب في الربع الثاني من القرن20 من قبل أحد أبنائه الطامحين إلى تحريره من الاستعمار، سيكون بالضرورة متناقضا مع تاريخ للمغرب كتب في نفس الفترة لكن من قبل مؤرخ فرنسي هدفه هو تكريس الاستعمار وتوطيده
·        مضى فقد كان المؤرخون يعتمدون أسلوب السرد، وما يقتضيه من مجاز واستعارة وطباق وغيرها من التقنيات البلاغية المعتمدة في إنتاج القصص والروايات إلى حد جعل التمييز بين التاريخ و هذه الأجناس أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا


·        ابن خلدون والمعرفة التاريخية
·        بناءا على ما سبق يبدو أن المعرفة التاريخية أكثر بعدا من أن تكون معرفة علمية : فهي من حيث المضمون لا تتضمن حقائق يقينية، ومن حيث الشكل لا تعتمد أسلوب البرهان و الاستدلال، وتبعا لذلك فهي ليست أكثر من معرفة سردية لحوادث الماضي، قابلة للتصنيف تحت خانة الأدب أكثر منه تحت خانة العلم.
·        غير أن هذا الوضع سيتغير كثيرا مع نهاية القرن19 حيث ستظهر الكثير من الأصوات المنادية بإعادة النظر في عمل المؤرخ، وفي أسلوب معالجته للقضايا والوقائع التاريخية. وحتى قبل هذه الفترة نجد المؤرخ المغربي الشهير ‘عبد الرحمان ابن خلدون’ يشن هجوما عنيفا على المؤرخين الذين سبقوه، و يدشن أسلوبا جديدا في كتابة التاريخ يقطع بشكل تام مع الأسلوب الذي ساد قبله[5].
·        فبالنسبة لابن خلدون ليس التاريخ مجرد “إخبار عن الأيام والدول، و السوابق من القرون الأول. ..”
·         وإنما هو “نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات و مبادئها دقيق، و علم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق”[6]
·        ومن هنا يحدد ابن خلدون مجموعة من القواعد المنهجية التي على المؤرخ الالتزام بها كي لا يتيه في بيداء الوهم والغلط،
·         يقول ابن خلدون:” الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس فيه الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور مزلة القدم والحيد عن جادة الصدق، وكثيرا ما وقع للمؤرخين من المغالط في الحكايات و الوقائع لاعتمادهم فيه على مجرد النقل”[7].
·        مع ابن خلدون إذن ستبتعد المعرفة التاريخية عن مجرد السرد و الأدب، لأن المشتغل بها أصبح مطالبا باعتماد قواعد منهجية دقيقة تجعل ما يدونه حقائق تاريخية وليس مجرد أوهام وأغاليط. هذا المطلب نفسه هو ما ستسعى إلى تحقيقه ما يعرف بالمدرسة التاريخية
·        فبالنسبة لهذه المدرسة على التاريخ أن ينجز قطيعة إبستمولوجية (نظرية المعرفة  او المعرفية مع ماضيه، يتحول بموجبها من مجرد معرفة سردية أدبية إلى معرفة علمية موضوعية، وذلك بأن يتخلى المؤرخون عن الرغبة في تفسير الأحداث التاريخية والاكتفاء بوصفها كما حدثت، أو على الأقل الاكتفاء بالأسباب المحددة و المباشرة دون الأسباب الأولى والبعيدة، يقول’سيوبوس’
على المؤرخ حسب هذين المفكرين أن لا يهتم إلا بالوقائع والأحداث التي يمتلك بصددها وثائق، “فالتاريخ-يقول هؤلاء-هو استخدام واستعمال الوثائق، فكل فكر وكل ممارسة لم تترك آثارا تاريخية مباشرة أو غير مباشرة،أو أن آثاره الواضحة للعيان قد ضاعت، هذا الفكر وهذه الممارسة تخرج من حيز التاريخ، فحيث لا وثائق فلا تاريخ”[9] لذلك تمثل عملية البحث عن الوثائق وجمعها أول وأهم خطوة على المؤرخ القيام بها، تتلوها عملية نقد تلك الوثائق عبر المقارنة فيما بينها وتحديد تاريخ إنتاجها بحيث يتم الاحتفاظ فقط بالوثائق التي يتم التأكد من هويتها ومن مصداقية دلالتها على الحدث المراد التأريخ له. ومن أجل ضمان أكبر قدر من العلمية في المعرفة التاريخية وجعل التاريخ علم صارم ودقيق كالفيزياء والكيمياء، سيحدد أنصار المدرسة الوضعية مجموعة من القواعد على المؤرخ الالتزام بها في قيامه بعمله، كتجنب إصدار الأحكام على الماضي، والاكتفاء بإبراز ما حدث فقط، والتحرر من تأثيرا لمحيط الاجتماعي، والتزام الحياد، والانطلاق من كون التاريخ له وجود في ذاته أي له وجود موضوعي ومستقل، والعمل على تسجيل الأحداث التاريخية بطريقة سلبية وعكسها في كتاباته كما تعكس المرآة صور الأشياء[10].
·        منذ ابن خلدون إذن لم يعد التاريخ  مجرد معرفة سردية، لأنها أصبحت تعتمد على قواعد منهجية دقيقة ومحددة، لكنها في الوقت نفسه لم تصر بعد معرفة علمية، ولن يكن بإمكانها أبدا أن تصير كذلك، لأن الظاهرة التاريخية، فضلا عن كونها ظاهرة إنسانية فهي ظاهرة تنتمي إلى الماضي، مما يعني استحالة دراستها بموضوعية وحياد، وكذا استحالة استخلاص قوانين محددة لها، لتبقى المعرفة التاريخية بذلك ‘بين بين’، في مرتبة وسطى بين الأدب و العلم.








   المحور الثاني: التاريخ وفكرة التقدم
·        من خلال دراسته لتاريخ الكثير من الشعوب والأمم استخلص ابن خلدون أن المسار الذي يتخذه التاريخ هو مسار دائري. فتاريخ كل دولة يتحدد في رأيه بثلاث مراحل هي: مرحلة النشأة و التكون، مرحلة الأوج والازدهار، وأخيرا مرحلة الزوال و الاندثار.
·        . معنى هذا أن مرحلة تاريخية معينة ليست بالضرورة أكثر تقدما من سابقاتها، أي أن التاريخ لا يسير بالضرورة في خط مستقيم تصاعدي ولا يكون كذلك إلا في امتداد زماني محدد هو ذلك الذي يربط بين المرحلة الأولى من عمر الدولة، أي مرحلة النشوء و التكون و المرحلة الثانية من عمرها، أي مرحلة الأوج و الازدهار. أما بين هذه المرحلة الأخيرة وتلك التي تليها فهناك خط مستقيم تنازلي يتجه من الازدهار إلى الانحطاط وليس العكس
·        و يفسر ابن خلدون هذه السيرورة الدائرية بما يسميه “العصبية القبلية” التي يعتبرها المحرك الأساسي للتاريخ. والمقصود بالعصبية القبلية عنده ذلك النسب الإثني المشترك الذي يوحد جماعة بشرية معينة والذي يجعل كل أفرادها ينتمون إلى نفس العرق والدم، وهو ما يولد لديهم وبشكل طبيعي رغبة في السيادة و السيطرة، أي رغبة في تولي الحكم و الاستئثار بالملك. وتنافس وصراع القبائل حول هذا المطلب هو ما يحرك التاريخ ويجعل أحداثه ووقائعه تنساب وتتسلسل. ولما يتحقق هذا المطلب لقبيلة معينة لا تستسلم القبائل الأخرى كلية، وإنما تظل تعمل في الخفاء لحشد همم الأفراد المنتمين لها و لبناء التحالفات مع قبائل وعصبيات أخرى قريبة منها، حتى إذا ما دب الضعف و الوهن في القبيلة المسيطرة، ونشبت الخلافات الداخلية بين أهل الحل والعقد فيها، استغلت ذلك القبيلة الأكثر استعدادا لذلك فتنحيها من الملك و تحل محلها، وهكذا يظل الملك يتناقل من عصبية قبلية لأخرى على مر الزمان
·        حيث يعتبر ابن خلدون ذلك سنة من سنن الحياة التي لا مفر منها و التي تجعل التاريخ عبارة عن سلسلة من الدوائر المتجاورة فيما بينها.
·        فكل مرحلة تاريخية هي بالضرورة أكثر تقدما من التي سبقتها و أقل تقدما من التي تليها كما لو كان الأمر يتعلق بسلم مترا تب الدرجات، كل واحدة فيه فوق سابقتها وتحت لاحقتها.
·        فبالنسبة لكانط: التاريخ الإنساني يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أكبر قدر من الحرية والانتظام في الحياة الإنسانية
·        فبالنسبة هيجل ليس التاريخ سوى تجل و تجسيد تدريجي للروح المطلق،أي تحقق تدريجي للكمال والحرية
·        أما بالنسبة لماركس فالتاريخ هو تسلسل لأنماط من الإنتاج كل واحد منها أكثر تقدما من سابقه[17]: فنمط الإنتاج الفيودالي أكثر تقدما من نمط الإنتاج الآسيوي لأنه يضمن الرفاهية لعدد أكبر من الناس
            المحور الثالث : دور الإنسان في التاريخ
·        أن الإنسان نفسه، بإراداته واختياراته، ليس سوى نتاج وحصيلة للأحداث و الوقائع التاريخية السابقة عليه والمعاصرة له؟ بمعنى آخر: هل الإنسان هو الذي يصنع التاريخ أم أن الأمر على العكس من ذلك تماما حيث التاريخ هو الذي يصنع الإنسان؟ هل الإنسان بالفعل طرفا فاعلا في التاريخ أم أنه طرف منفعل فقط؟
·        لقد ظل الإنسان ولمدة طويلة من الزمن يعتقد في وجود قوى غيبية هي التي تتحكم في مساره الفردي و الجماعي
·        أي أن ما يحققه الأبطال والعظماء يكون موجودا قبلهم على شكل فكرة ولا يعملون هم إلا على تحقيقه تاريخيا، أي على إخراجه من الوجود المضمر إلى الوجود المجسد، من الوجود الخفي إلى الوجود الظاهر
·        و هذا التناقض الحاصل بين حقيقة العظماء و إنجازاتهم من جهة، والصورة التي يظهرون بها للناس من جهة ثانية، هو ما يسميه هيجل ب “مكر التاريخ”، فمن باب المكر فقط  يظهر التاريخ أحداثه على أنها من صنع الأبطال و العظماء، أما في حقيقتها فهي حصيلة ضرورة مطلقة ومحددة سلفا، ليس الأبطال سوى أدوات لتنفيذها.
·        فما يحرك التاريخ حسب ماركس هو الصراع الطبقي،أي الصراع بين الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج وتلك التي لا تمتلكها. غير أن هذا الصراع هو ليس نتيجة اختيار حر يقوم به الأفراد المنتمون لهذه الطبقة أو تلك من أجل الدفاع عن مصالحهم، وإنما هو صراع مفروض عليهم من قبل نمط الإنتاج الذي يعيشون في أحضانه،
·        أن في ضوء ما سبق عرضه من مواقف و تصورات يتبين أن التاريخ في سيرورته محكوم بعوامل وقوى كثيرة ومتعددة، متداخلة ومتفاعلة فيما بينها، منها ما يعود إلى الإنسان ذاته و ما ينتجه من مخططات و مشاريع يعمل على تنفيذها بواسطة الممارسة، ومنها ما يعود إلى المحيط المادي الجغرافي والاقتصادي و ما يفرضه من إمكانات و إكراهات لا يمكن أبدا إلغاؤها أو نفيها.